
الأميرة نورة بنت عبدالرحمن آل سعود.. ريادية صنعت أثرًا في تاريخ المملكة
5 الأميرة نورة بنت عبدالرحمن آل سعود.. امرأة صنعت أثرًا في تاريخ المملكة في تاريخ المملكة العربية السعودية، برزت نساء كان حضورهن يتجاوز حدود أدوارهن الاجتماعية التقليدية، وكانت الأميرة نورة بنت عبدالرحمن آل سعود واحدة من أبرز هذه الشخصيات؛ فقد كانت شقيقة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن، وأقرب النساء إليه، ومستشارته التي وثق برأيها، كما عُرفت بحكمتها ووعيها وقدرتها على التأثير في محيطها. لم تكن قصتها قصة أميرة عاشت بالقرب من الأحداث فحسب، بل قصة امرأة عاصرت لحظات الانكسار، وشهدت رحلة التأسيس، وأسهمت من موقعها في دعم أسرتها وشقيقها والمجتمع من حولها . وتصفها المصادر التاريخية بأنها كانت من الشخصيات النسائية الأكثر تأثيرًا في السنوات الأولى من تأسيس الدولة السعودية الثالثة. النشأة والتعليم في زمن مختلف ولدت الأميرة نورة بنت عبدالرحمن في الرياض عام 1875م ، وهي الابنة الكبرى للإمام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود، آخر حكام الدولة السعودية الثانية، وشقيقة الملك عبدالعزيز التي تكبره بعام. وكانت والدتها سارة بنت أحمد السديري. وفي زمن كان فيه تعليم النساء محدودًا للغاية، تعلمت نورة القراءة والكتابة منذ صغرها ، وهو أمر كان نادرًا في ذلك الوقت. وأسهم هذا التعليم، إلى جانب شخصيتها واحتكاكها بالأحداث، في تكوين وعي مبكر لديها، وجعلها تتمتع بالحكمة والحصافة والقدرة على فهم ما يدور حولها. وقد وصفتها بعض المصادر التاريخية بعبارة شهيرة بأنها كانت تتمتع بـ «عقل أربعين رجلًا» ، وهي عبارة تعكس ما عُرفت به من رجاحة العقل وقوة الشخصية وحسن المشورة. سنوات الغربة.. من الكويت بدأت مرحلة جديدة عندما انتهت الدولة السعودية الثانية وسقطت الرياض عام 1891م ، اضطرت أسرة الإمام عبدالرحمن إلى مغادرة البلاد والتوجه إلى الكويت. كانت نورة في ذلك الوقت في نحو السادسة عشرة من عمرها، وعاشت مع أسرتها تجربة الغربة وما رافقها من ظروف صعبة. وقد تركت تلك المرحلة أثرًا عميقًا في شخصيتها؛ إذ عايشت بنفسها فقدان الدولة والتشتت، ثم شهدت لاحقًا كيف تحولت تلك التجربة إلى دافع لاستعادة الرياض وتوحيد البلاد. وتشير مجلة القافلة إلى أن تجربة سقوط الدولة السعودية الثانية جعلت نورة تدرك أهمية الوحدة والتماسك وقوة الأسرة ، وهي قيم ظلت حاضرة في مواقفها طوال حياتها. المرأة التي شجعت عبدالعزيز على المحاولة من جديد من أكثر القصص تداولًا عن الأميرة نورة علاقتها الوثيقة بشقيقها عبدالعزيز. عندما كان الملك عبدالعزيز يستعد للخروج من الكويت لاستعادة الرياض، كانت والدته قلقة عليه، بينما شجعته نورة على الاستمرار وعدم الاستسلام للفشل. وتروي مصادر تاريخية أنها قالت له ما معناه إن الفشل في المحاولات الأولى لا يعني النهاية، وإن عليه أن يبحث عن أسباب فشله ويعاود المحاولة، مؤكدة أن الرجال لم يُخلقوا للراحة. وبعد سنوات قليلة تمكن عبدالعزيز من استعادة الرياض عام 1902م . ومن شدة قرب الملك عبدالعزيز من شقيقته واعتزازه بها، كان يُعرف عنه قوله في المواقف الصعبة: «أنا أخو نورة». وأصبحت العبارة مرتبطة به وبعلاقته بها، حتى تحولت إلى واحدة من أشهر العبارات التي تروى عن تلك العلاقة الأخوية الاستثنائية. مستشارة الملك وحافظة أسراره بعد استعادة الرياض وبدء مرحلة توحيد البلاد، أصبحت نورة شخصية قريبة جدًا من الملك عبدالعزيز. كان يزورها بصورة منتظمة، ويستمع إلى رأيها، ويطلعها على ما يشغله، بينما كانت هي حريصة على مساندته وتخفيف أعبائه. وتشير مجلة القافلة إلى أن الملك كان يزورها يوميًا عندما يكون في الرياض، ثم أصبح يزورها مرتين في اليوم خلال السنوات الأخيرة من حياتها. ولم يكن دورها مقتصرًا على العلاقة العائلية؛ فقد كانت واسطة اجتماعية وإنسانية بين الناس والملك. كانت تستقبل النساء الراغبات في مقابلة الملك، وتستمع إلى شكاوى المحتاجين، ثم تتحقق من تفاصيلها قبل أن تعرضها عليه. وكانت تشفع لدى الملك في بعض الحالات، خاصة لمن ترى أنهم تعرضوا للظلم أو يحتاجون إلى العفو. وهنا يظهر جانب مهم من شخصيتها: لم تكن تستخدم قربها من الملك لمجرد المكانة، بل كانت توظف هذه المكانة لخدمة الناس وحل المشكلات ومساندة المحتاجين . حضورها في الحياة الاجتماعية كان للأميرة نورة حضور اجتماعي بارز، وأسند إليها الملك عبدالعزيز عددًا من المهام المتعلقة بشؤون النساء في القصر، كما كانت تستقبل ضيفات المملكة من النساء، خصوصًا الزائرات من خارج البلاد والحاجات من ذوات المكانة، وتقدمهن إلى نساء الأسرة الملكية وترافقهن في بعض الزيارات. وتشير المصادر إلى أنها كانت كذلك حريصة على تماسك الأسرة ، وتسعى إلى إزالة الخلافات بين أفرادها، وهو ما جعلها شخصية محورية داخل العائلة. حاضنة لأبناء الأسرة امتد تأثيرها إلى الجيل التالي من الأسرة السعودية. فبسبب قربها من الملك عبدالعزيز وثقته بها، عهد إليها برعاية بعض أبنائه وبناته الذين فقدوا أمهاتهم في سن مبكرة. ومن بين من تولت رعايتهم محمد وخالد والعنود، كما اهتمت بعبدالله ونوف وصيته، واحتضنت ابنة الملك سارة في منزلها. وكانت تشجع الأطفال على التعلم وحفظ القرآن، وتحرص على تكريمهم والاحتفاء بإنجازاتهم. وتروي المصادر أنها كانت تحضر مناسبات ختم القرآن والعرضة التي تقام احتفاءً بأبناء الملك عبدالعزيز. وهكذا لم يكن تأثيرها محصورًا في جيلها؛ فقد امتد إلى تربية الجيل الذي أصبح لاحقًا جزءًا من قيادة الدولة السعودية . زواجها وأسرتها تزوجت الأميرة نورة من الأمير سعود بن عبدالعزيز بن سعود بن فيصل، المعروف بسعود الكبير ، وأنجبت منه ثلاثة أبناء: الأمير محمد، والأميرة حصة، والأميرة الجوهرة. وتزوجت الأميرة الجوهرة لاحقًا من الملك فيصل بن عبدالعزيز. وكان زوجها من الشخصيات المهمة في تاريخ الدولة السعودية، كما شكل الزواج رابطًا مهمًا بين فرعين من أسرة آل سعود. قصر الشمسية.. بيت يحمل ذاكرتها من أبرز المعالم المرتبطة بسيرة الأميرة نورة قصر الشمسية في الرياض . بنى الملك عبدالعزيز القصر لشقيقته، وانتقلت إليه من مسكنها السابق، وأصبح القصر أحد الأماكن المرتبطة بحضورها الاجتماعي والأسري. وتشير مجلة القافلة إلى أن القصر كان بيتها في السنوات الأخيرة، وكان الملك عبدالعزيز يزورها فيه باستمرار. 4 وفي عام 2019م صدر توجيه بترميم قصر الشمسية، في خطوة تعكس الاهتمام بالحفاظ على المكان المرتبط بإحدى الشخصيات النسائية البارزة في التاريخ السعودي. إرث لم ينتهِ برحيلها توفيت الأميرة نورة بنت عبدالرحمن في 10 يوليو 1950م ، عن نحو 75 عامًا، قبل وفاة شقيقها الملك عبدالعزيز بثلاث سنوات. وتذكر مجلة القافلة أن وفاتها جاءت قبل أسابيع قليلة من الذكرى الخمسين لاستعادة الرياض، ما أدى إلى إلغاء الاحتفال الذي كان مقررًا بهذه المناسبة. لكن رحيلها لم ينهِ حضورها في الذاكرة السعودية. ففي عام 2008م ، وضع الملك عبدالله بن عبدالعزيز حجر الأساس للمدينة الجامعية الخاصة بالطالبات، وأطلق عليها اسم جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن تقديرًا لمكانتها وإرثها. وتحمل الجامعة اليوم اسمها، وتواصل رسالتها في تعليم وتمكين المرأة. وتشير الجامعة نفسها إلى أن تسميتها جاءت نسبة إلى الأميرة نورة، شقيقة المؤسس الملك عبدالعزيز. 7 نورة.. نموذج مبكر للمرأة المؤثرة قد لا تكون الأميرة نورة «رائدة أعمال» بالمفهوم الاقتصادي الحديث، لكنها تمثل نموذجًا مبكرًا ومهمًا لما يمكن أن تسميه رياديات اليوم المرأة المؤثرة وصانعة الأثر . فقد امتلكت المعرفة في زمن كانت فيه فرص تعليم المرأة محدودة، واستخدمت قربها من صانع القرار لخدمة الآخرين، وساندت شقيقها في مرحلة تأسيسية شديدة الصعوبة، واهتمت بالتعليم والتربية، وحافظت على تماسك الأسرة، وتركت أثرًا اجتماعيًا استمر بعد وفاتها. وهذه الجوانب تجعل قصتها مناسبة جدًا ضمن المحتوى الإلهامي لـ رياديات ؛ لأن الريادة لا تعني دائمًا تأسيس شركة، بل قد تعني امتلاك رؤية، ومبادرة، وقدرة على التأثير، وتحويل المكانة والمعرفة إلى أثر يخدم المجتمع . من نورة بنت عبدالرحمن إلى رياديات تُذكّرنا قصة الأميرة نورة بأن تمكين المرأة ليس مفهومًا جديدًا، وأن المرأة السعودية كانت حاضرة في صناعة المجتمع والتأثير فيه عبر مراحل مختلفة من تاريخ المملكة. واليوم، تواصل رياديات هذا الامتداد بطريقة عصرية، من خلال توفير بيئة تجمع بين التعلم، والتطوير، وريادة الأعمال، وبناء العلاقات والفرص ، لمساعدة المرأة على تحويل فكرتها وشغفها وقدراتها إلى مشروع وأثر. من امرأة صنعت أثرًا في زمنها… إلى أجيال من الرياديات يصنعن أثرهن اليوم.









