آمنه خليفه

قصة نجاح دكتورة/ آمنة خليفة

(نُموذج يُحتذى به للأجيال الجديدة)

 

إنَّ الانطلاق والنِّجاح لأيِّ فردٍ يبدآنِ من الأُسرة، ولقد كان لأُسرتي دور كبير فيما وصلتُ إليه؛ حيث نشأتُ داخل جنبات أُسرة صغيرة، إلا أنها كانت تهتمُّ بكثيرٍ من الأُسُس والمبادئ التَّربويَّة الإيجابيَّة، وذلك ما رسَّخ في أعماقي قيمًا مُتعدِّدة، وأثرها مُمتَدٌّ معي ما حييتُ. وحرصت الأسرة على تعليمي، والوصول لأعلى المراتب والدَّرجات، ولقد مررتُ بعديدٍ من المراحل الدِّراسية، وتعلَّمتُ الكثير في كل مرحلة، وهو ما أثَّر في بناء شخصيَّتي بشكل تراكُمي.

في المرحلة الابتدائيَّة تعلَّمتُ المُشاركة والتَّعاوُن، حيث كُنتُ أتدارس مع زميلاتي، ونتبادل المعلومات في مُختلف موادِّ الدِّراسة، كما أن للمُعَلِّمات دورًا مهمًّا فيما بلغتُه، وأتذكَّر بالخير مُدرِّسة اللغة العربيَّة، التي كُنتُ أُكِنُّ لها كل التَّقدير والاحترام؛ حيث أمدَّتني بثروةٍ لُغويَّة مُتميِّزة، وكانت تحرص على مُتابعة الواجبات والمسؤوليَّات والتَّكليفات بعد انتهاء كل درس، ولصغر سِنِّنا في ذلك الوقت لم يكُن يُمكنُنا التَّعمُّق في فهم أهمِّية ما كانت تقوم به المُعَلِّمات، وعندما كبرنا أدركنا تلك المعاني السَّامية، ورغبنا في عودة تلك الأيام الجميلة بعد أن تعقَّلناها بعُمق. 

لقد كُنَّا نُمارس جميع الأنشطة المدرسيَّة بكل حب واهتمام، ومن بين ذلك طابور الصَّباح والألعاب الرِّياضيِّة، والأنشطة الثَّقافيَّة المُختلفة.... وغيرها، وذلك ما ساعد على بناء الثِّقة بالنَّفس، وكذا القُدرة على التَّحدُّث أمام جمع من الجمهور، ولقد حرصت جميع المُعَلِّمات على انخراطنا في تلك الأنشطة، والمُشاركة في مُختلف تصنيفات المُسابقات، سواء داخل المدرسة أو خارجها، وذلك على الرغم من عدم وُجود الوسائل التقنية مثل ما هو مُتاح في تلك الفترة للأجيال الجديدة من تكنولوجيا الاتِّصالات والإنترنت، ولقد كانت المُعَلِّمات يُشجِّعننا على كتابة المقالات البسيطة بالمدرسة، بالإضافة للمُسابقات التي كانت تُقدَّم في الإذاعة والتلفزيون. 

تعلَّمتُ في المرحلة الثَّانوية الكثير، ولقد كانت محطَّة مهمَّة بالنسبة لي، وبالطبع كان للمُعَلِّمات والمُعَلِّمين والإداريين دور وأثر في حياتي، وأتذكَّر من بين ذلك في نهاية الصف الأول الثانوي، وبداية الانتقال للصف الثاني الثانوي، حيث كُنتُ أُفضِّل الانتظام في القسم العملي، ولكن وجود كثيرات من زميلاتي القُدامى جعلني أغضُّ الطَّرف عن ذلك، وأستقرُّ بالقسم الأدبي حتى لا أفارق صديقات الدِّراسة في المرحلة الابتدائيَّة.

استكملتُ الدِّراسة بالمرحلة الثَّانويَّة، وأنهيتُها بتفوُّق؛ حيث تمكَّنتُ من الحصول على المركز السابع بالمدرسة، وانتقلتُ إلى المرحلة الجامعيَّة، ولم يكُن لديَّ خيارات كثيرة، حيث التحقتُ بكلية المُعَلِّمين، وطلبتُ من أهلي أكثر من مرَّة الانتقال خارج حدود الوطن لاستكمال التَّعليم، إلا أن طلبي قُوبل بالرَّفض؛ نظرًا لخوفهم الشديد عليَّ، ورغبتهم في البقاء معهم.

كانت كُليَّة المُعَلِّمين تدرس تخصُّصات محدودة بعينها، مثل: اللغة العربيَّة، أو الدِّراسات الإسلاميَّة، أو التاريخ، أو الجغرافيا، أو علم الاجتماع، ولقد اخترتُ دراسة اللغة العربيَّة كتخصُّص محوري، وكذا الدِّراسات الإسلاميَّة كأحد التخصُّصات الفرعيَّة، وتخرَّجتُ في الجامعة بتقدير امتياز، ورغبتُ في استكمال التَّعليم بعد ذلك، والحصول على الماجستير والدكتوراه خارج الإمارات العربيَّة المتحدة، وعلى أثر ذلك تمَّ ابتعاثي إلى مصر لدراسة الماجستير والدكتوراه، وكانت تلك محطَّة محوريَّة في حياتي. 

تعلَّمتُ من وجودي في جمهوريَّة مصر العربيَّة الكثير، حيث حدث لي عديد من المواقف الشخصيَّة، وهو ما علَّمني تحمُّل المسؤوليَّة والصَّبر، والأهمُّ من ذلك هو أنني ترسَّخ في ذهني أن الوصول للنجاح صعب للغاية، ويتطلَّب الجَلَد والصبر. 

من بين المواقف التي تأثَّرتُ بها في بداية رحلة الذهاب إلى مصر لدراسة الماجستير، شعوري بعدم مقدرتي على التأقلم على المعيشة دون أهلي، وبالفعل أقدمتُ على العودة أكثر من مرة، وكُنتُ أنتوي إبلاغ سفارة الإمارات بذلك، ولكن ما منعني هو أنني تساءلت بيني وبين نفسي، لماذا استمرَّت زميلاتي الإماراتيَّات في الدِّراسة هنا، ولا يُوجد ما يعوقهنَّ عن استكمال التَّعليم؟! وبالطبع كانت البداية صعبة لديهن جميعًا إلى أن تأقلمن على الوضع، وكيف لي إذا ما عُدتُ خالية الوفاض، فما التبرير؟! هل أقول لأسرتي ومعارفي: "لم أستطع"؟ هي جملة يصعب عليَّ أن أتفوَّه بها، وهي تعني بالنسبة لي أنني فشلتُ، ولذلك قرَّرتُ أن أستمر وأُصابِر. 

وكذلك من بين المواقف التي حدثت لي في أثناء دراسة الماجستير بمصر، أن المُشرف على الرسالة تعرَّض لحادث، ولم يكُن باستطاعته أن يتحرَّك في مرحلة الاستشفاء، وكان يتحتَّم عليَّ أن أقرأ عليه المادة التي قُمتُ بجمعها في سبيل إعداد الرِّسالة، حيث كان يقوم بمُناقشتي بعد كتابة كل فصل على حدة، وكان يقطن بعيدًا عن مسكني، ولقد كُنتُ حريصة على أن أتوجَّه إليه في مواعيد مُحدَّدة، وفي إحدى المرَّات توجَّهتُ قبل الموعد بفترة، وحينما قابلني قال لي: "لماذا جئتِ مُبكِّرًا؟"، وشعرتُ بالخجل الشَّديد، ولكن كان المغزى من ذلك السؤال هو أن أتعلَّم درسًا مهمًّا أراد الدكتور المُشرف أن يُعلِّمني إيَّاه، وهو ألا أتوجَّه قبل أو بعد موعد ما، وأن أكون دقيقة في مواعيدي، وتركني في الاستراحة لحين أن جاء الموعد المُحدَّد، وقُمتُ بمُراجعة ما دوَّنتُه. 

وعلى المنوال ذاته مرحلة الدكتوراه تعلَّمتُ منها الكثير، ولقد مررتُ بتجارب عدَّة، ولكنني استطعتُ بفضل الله أن أتجاوزها، وأعود وفي جُعبتي شهادة الدكتوراه، وبالنسبة لموضوع رسالة الماجستير فكان يتحدث عن "اقتصاديَّات التَّعليم"، أمَّا أطروحة الدكتوراه فكانت تتحدَّث عن "التَّخطيط التَّربوي".

بعد أن حصلتُ على درجتي الماجستير والدكتوراه من مصر عُدتُ إلى أحضان الوطن (الإمارات العربيَّة المتحدة)، وتم تعييني بقسم أصول تربية في كلية التربية، ولقد عملتُ مُنسِّقة انتساب في أحد مراكز الانتساب المُوجَّه بالشَّارقة، كما أنني كُنتُ أُدرِّس في عديد من مراكز الانتساب التي تُوجد في الإمارات؛ حيث كانت هناك أيام مخصصة للطلاب، وأخرى للطالبات، وتوجَّهتُ إلى أماكن مُتعدِّدة؛ مثل: دبي، وعجمان، والفجيرة، وأم القوين، وبعد ذلك صدر قرار بتعييني في منصب مدير مركز الانتساب المُوجَّه، وذلك بالإضافة لعملي الأكاديمي. 

قُمتُ بتنفيذ كثير من الدِّراسات والأبحاث في مجال تخصُّصي، كما أنني ألَّفتُ كتابين؛ الكتاب الأوَّل باسم "الأسرة الخليجيَّة معالم التَّغيُّر وتقلُّبات المُستقبل"، وبالنسبة للكتاب الثاني فهو "بين السُّطور"، ولقد ُصدر منذ فترة قريبة عن طريق دائرة الثقافة والإعلام في الشَّارقة.

بعد فترة من العمل بمراكز الانتساب تم الاكتفاء بالطلاب الموظفين أو الموظفات أو خريجي الدبلوم في مراكز الانتساب المُوجَّه، وانتهت مهام عملي، وعُدتُ مرَّةً أخرى إلى جامعة الإمارات؛ حيث عملتُ في كلية التربية، وبعد فترة انتُدبتُ بمؤسسة "حميد بن راشد النعيمي للتطوير والتنمية البشرية"، وعملتُ بها سبع سنوات، وكان الاهتمام ينصَبُّ على الجوانب الإنسانية؛ مثل: الأسرة، والمرأة، والطفولة، والتنمية البشرية، والشباب، والبيئة، وهي بالفعل مهام جَدُّ مهمَّة في وطننا. 

تطوَّعتُ في كثير من المؤسسات، وسافرتُ لحضور عديد من المؤتمرات في دول مُتعدِّدة، وكذلك في أثناء مرحلة دراستي للبكالوريوس والماجستير والدكتوراه سافرتُ لأكثر من دولة، وفي فترات الإجازة سافرتُ إلى عديد من الدول؛ مثل: الصين، والسعودية، والعراق، ومصر، وعمان، وكينيا، والمغرب، والأردن، وسوريا، وغيرها. 

في مرحلة لاحقة اضطرَّتني الظروف الأسريَّة لأن أتقدَّم للتَّقاعُد المُبكِّر، وفي تلك الفترة أتقلَّد منصب عضوية مجلس إدارة غرفة التجارة والصناعة بعجمان، وكذلك رئيسة مجلس سيدات الأعمال بعجمان، وتشغلني قضية تنمية المرأة من الناحية الاقتصاديَّة، ولديَّ كثير من الأفكار في هذا السياق، وفي مُقدِّمتها أن المرأة عضو فاعل في المُجتمع، وفي حالة غيابها فسيتعطَّل عُنصر مهم يُمكن أن يُعاون الرَّجُل في سبيل رفعة شأن الوطن. 

أطلقتُ مُباردة تتعلَّق بتنظيم دورات تدريبية وورش عمل مُكثفة، وبما يساعد على تحقيق الاكتفاء الذاتي، كما أن بعض هذه الدورات التدريبية ينصَبُّ على الجانب الصحي، والهدف من ذلك هو تحقيق الاكتفاء الذاتي للأسر داخل الإمارات، وبالنسبة للبرامج الصحية فإنها تهتم بالطريقة الصحيحة لتعقيم المنزل، وكيفية اتخاذ التدابير والإجراءات المناسبة لمُواجهة الأزمة التي نمُرُّ بها، وفي تلك الفترة نهتمُّ بالجوانب المتعلقة بالأمن الغذائي والصحة وخدمات النقل، وسنقوم بإطلاق كثير من المُبادرات في سبتمبر من العام 2020م، مع دعم غير محدود للمشروعات من الناحية المادية والفنية.